ردا على الأستاذ الجامعي الذي استهزأ برجال التعليم . بقلم ذ عبد الواحد حنو
عبد الواحد حنو : عضو المكتب الإقليمي للجامعة الوطنية للتعليم التوجه الديموقراطي Fne بالناظور
ردا على أستاذ جامعي يستهزئ برجال التعليم:
كثيرا ما أسمع أحكام قيمة معلبة وجاهزة، نابعة من تصورات غير دقيقة على فئات يجمعها نفس الميدان المهني، كأن يقال لك: المحامون لصوص، المعلمون بخلاء، رجال الشرطة قساة وعديمي الشفقة، القضاة ظالمون...
هذه الاحكام غالبا ما يتداولها البسطاء في المقاهي، وهي نابعة من تجارب فردية تنزاح ليتم تعميمها على الكل، أو نتيجة لاستهلاك إشاعات غرضها تسفيه قطاع من القطاعات.
لأن أي مهنة وأي قطاع مهما كان، تجد فيه النافع والضار والجاد والانتهازي واللص والامين والبخيل والكريم و الصادق والكاذب...
فأن يتداول هذه المعلومات شخص من العامة، محدود التفكير، أمر لا نعيره أي اهتمام، لكن أن تصل الوقاحة بأستاذ جامعي ليطلق وابلا من الاتهامات لرجال التعليم، مستعملا قاموسا سوقيا (الكعلم) لا يرضى باستعماله من يحترم نفسه ويحترم مكانته، ... فسلام على الجامعة التي أصبحت تحتضن أمثال هؤلاء. لان ما نعرفه عن الأستاذ الجامعي أنه يُنظر إليه كبانٍ للقيم النبيلة وموجها نحو السداد والصلاح والبحث العلمي الرصين، ومنبعا لكسب المعارف والمهارات... وعندما يريد أن ينتقد، ينتقد الامور في شموليتها ليضع يده على كل مكامن الخلل ، مع إعطائه لآراء وتوجيهات يساهم بها في تجاوز أزمة من الازمات...
لكن، ويا للأسف، أصبحت الجامعة مؤخرا تستقبل العاهات والكوارث نتيجة التدخلات وإعداد المناصب على المقاس.. وإليكم نموذج استاذ الجامعي (م.ي) هو ابن مدينة الناظور، يدرس في شعبة الاقتصاد. ومسار تسلقه ليصل كأستاذ جامعي بجامعة ابن زهر مارا من الكلية المتعددة التخصصات بالناظور هو مسار معروف، ولن أخوض فيه. لكن ما استفزني واستفز معظم من تابعوا شطحاته على الفايسبوك هو طريقة استهزائه بالأساتذة محملا إياهم مسؤولية المستوى الكارثي الذي وصل إليه الوضع التعليمي بالمغرب. ولهذا، قبل أن أخوض في شطحاته وأسلوبه الصبياني ، لابد أن أشيد بالأساتذة الجامعيين الأكفاء الذين تتلمذنا على أيديهم واتبعنا نهجهم في البحث العلمي، ولهم مؤلفات غزيرة وهامة، ومجرد كتابة أسمائهم على محرك googl، يمطرك هذا الاخير بمقالات علمية أكاديمية يعتد بها، هذا الأمر يجعلك تفتخر بهذه الأسماء الوازنة، التي لا ترضى أن تحشر أنوفها في متاهات صبيانية وبأساليب سوقية مستفزة...
لقد صب هذا الأستاذ الجامعي (م.ي) جام غضبه على المعلم دون أن يكلف نفسه عناء البحث عن المسببات التاريخية التي وصلت بالتعليم إلى ما وصل إليه، ودون أن يحاول الإحاطة باستراتيجية الهيمنة التي تجعل من التعليم أداة للتدجين ومعملا لتفريخ السامعين الطائعين، ودون أن يعرج على السياسات المتعاقبة الفاشلة انطلاقا من 57، مرورا بمناظرة المعمورة 64، فمناظرتي إفران 70و 80، و مرورا بالسياسات التي دحرجت صخرة التعليم لتبقى عالقة في القاع، ومحاولة الاصلاح سنة 94 لتجاوز مخلفات التقويم الهيكلي، ثم وصولا إلى ما سمي بالميثاق الوطني للتربية والتكوين وما تلته من إصلاحات/نكبات أتت على ما تبقى من هذا الجسم التعليمي الهزيل، و الذي رُسمت معالمه مسبقا، وهُندِس مسار سفينته لترسو بنا في ميناء العبث. ويبدو أنه الميناء نفسه الذي تخرج منه الاستاذ الجامعي المذكور، وعوض أن يقوم بترميم ما يمكن ترميمه، يساهم بدوره في إحداث المزيد من الثقوب في السفينة لتبقى حيث أرِيدَ وهُندس لها البقاء.
لكن لن أنزل عند مستوى شطحاته و خرجاته الفايسبوكية الغير مسؤولة، أدعوه إلى أن يتابع معي لأفصح له عن بعض مكامن الخلل في نظامنا التعليمي الهش، عله يتراجع عن قصف "الكعلم" على حد وصفه.
مشكلة المغاربة أيها الاستاذ الجامعي، أنهم لا يعيرون اهتماما كبيرا لقطاع التعليم، فهو قطاع يكاد أن يكون ثانويا بالنسبة إليهم.. وهذا يمكن أن يقاس بصمت الشعب إزاء كل تدخلات الدولة لتسفيه هذا القطاع، وتدجينه، وجعل المؤسسات التعليمية بالكاد تكون مجرد أسوار يتحمل فيها المدرسون مهمة حراسة أبناء الشعب...
لا يمكن لنظام فاسد أن يصلح تعليما من شأنه أن يكوِّن من يحاسبه ويخلخل مكامن فساده واستبداده، ويساهم في تحريك الوعي لدى أوسع القواعد الجماهيرية كما حدث في السبعينات و الثمانينات، خصوصا بعد سياسة التقويم الهيكلي التي فرضها صندوق النقد الدولي والتي على إثرها جاء تعديل قانون المالية سنة 1983، والزيادة في سعر المواد الأساسية بنسب تتراوح بين 18% و 67%، وفرض رسوم جديدة للتسجيل في المدارس و الجامعات، وفرض رسوم على المواطنين في كل من الناظور و تطوان، والذين كانوا يدخلون إلى مليلية و سبتة.
هذا ما جعل الفئات المثقفة من طلبة و تلاميذ و أساتذة و محامون... يعبئون الجماهير من أجل الاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية الكارثية التي آل إليها المغرب نتيجة الحلول الإقتصادية الفاشلة التي كانت تسعى إلى ترقيع العجز المالي و الاقتصادي بالاعتماد على جيوب المواطنين.
الشيء الذي نتج عنه سلسلة من الانتفاضات الشعبية في مجموعة من المناطق، خصوصا في مدن الشمال، مباشرة بعدها يخرج الحسن الثاني بخطابه الشهير سنة 1984، والذي يعطي فيه إشارات إلى المنحى الذي سيسلكه قطاع التعليم الذي أضحى مزعجا، عندما قال أن "الطلبة و التلاميذ، راه من أجلهم باش غلات المعيشة"، في إشارة إلى أن التعليم أصبح مكلفا للدولة، مما جعل السياسة التعليمية في المغرب تتجه نحو خوصصة القطاع، حتى أصبحت نسبة المقبلين على التعليم الخصوصي في المدن تتراوح بين 70 و 80% حسب دراسة أعدتها صحيفة لوموند الفرنسية سنة 2016، هذه الدراسة التي تنبأت بانقراض التعليم العمومي في المغرب، بعد أن أغلقت أكثر من 200 مؤسسة عمومية أبوابها منذ 2008.
وخير ما يتم به ضرب التعليم، هو تسفيه المدرسين و الحط من قيمتهم و كرامتهم (كما يفعل الاستاذ الجامعي المدعو (م.ي))، بعد أن كانوا يحظون بقيمة ومكانة في المجتمع، وصوتهم كان مؤثرا و يجد آذانا صاغية من تلاميذ كانو يستقبلون إشارات و إيضاحات تنير أمامهم طرق الوعي ونقد الوضع الراهن. هذا ما جعل الحسن الثاني يقول في الخطاب السالف الذكر : "وكانقول للأساتذة راهوم معروفين، هما لّي كايبداو الإضراب و يخرجو للزنقة.. وخصّ الأساتذة يعرفو بلّي في المستقبل غادي يجري عليهوم القانون، القانون لّي مدة وحنا عايشين عليه، في الحماية، و أكده الاستقلال"...
هذا الخطاب الذي توعد من خلاله الحسن الثاني رجال ونساء التعليم، وأعطى من خلاله إشارات إلى أنهم (رجال و نساء التعليم) أصبحو مستهدفين من أجل تدجينهم و تسفيههم و جعلهم أقل تأثيرا في المجتمع وكذا في المحيط المدرسي. لهذا انطلقت المصالح المختصة في نشر الإشاعات بنسج "نكت"ورسم صور نمطية تجعل المجتمع يرى في من ينير الطريق لأولاده مجرد شخصية مثيرة للسخرية و الضحك...
أضف إلى ذلك، فقد أصبحت مجموعة من المذكرات تروّض رجال و نساء التعليم وتحد من حرياتهم، وتجعل من محيط المدرسة حلبة للصراع بين المتعلم و الأستاذ.
لقد كان خطاب الحسن الثاني سنة 84 إشارة إلى هندسة مسار يوصل رجل التعليم إلى ما هو عليه الآن.
هذا الوضع، نتج عنه صعود أجيال تائهة بشواهد تعليمية و جامعية، أجيال هاجسها عبر مسارها التعليمي هو استغلال الهواتف الذكية من أجل الغش في الامتحانات و المباريات..
إننا نحصد نتائج هندسة العبث... هندسة أتقنوها وتفننوا في طرق تمريرها لصناعة واقع كهذا الذي نحن فيه. واقع يلخص المؤسسة التعليمية في العراك و اللكم والضرب ... واقع وصل فيه مربي الأجيال إلى المستنقع الذي أراده مهندسوا العبث أن يصل إليه... خصوصا أمام الانبطاح النقابي وتشتته...
وأمام هذا كله، أقول أنه إذا كان ما يستدعي منا أن نلتفت إليه قبل كل شيء؛ فإنه التعليم، ثم التعليم، ثم التعليم.
أما الأستاذ الجامعي الذي لا يرى في المنظومة إلا حلقتها الأضعف، فأقول لك، رحم الله الجامعة...
.
تعليقات
إرسال تعليق